محمد داوود قيصري رومي
506
شرح فصوص الحكم
( فأنت له ، كالصورة الجسمية لك ، وهو لك كالروح المدبر لصورة جسدك ) . ولما كان الاسم من وجه غير المسمى ، جاء بكاف التشبيه هنا الموجب للمغايرة ، ليعطى حق الوجهين : وجه أحدية العين ، ووجه المغايرة . وقال : ( فأنت له ) أي ، نسبة عينك للحق كنسبة جسدك لعينك : فكما أن جسدك صورة عينك ، كذلك عينك صورة الحق وهو ظاهر في عينك ، كما أن عينك ظاهرة في جسدك . ( وهو لك ) أي ، الحق لعينك كالروح المدبر لصورة جسدك . وقد مر بيان هذا المعنى في المقدمات من أن الحق يرب الأعيان الثابتة بأسمائه وصفاته ، ويرب الأرواح بالأعيان ، والأجساد بالأرواح ، لتكون ربوبيته في جميع المراتب ظاهرة . ( والحد يشمل الظاهر والباطن منك ، فإن الصورة الباقية إذا زال عنها الروح المدبر لها ، لم يبق إنسانا ، ولكن يقال فيها إنها صورة تشبه صورة الإنسان ، فلا فرق بينها وبين صورة من خشب أو حجارة . ولا ينطلق عليها اسم الإنسان إلا بالمجاز لا بالحقيقة ) أي ، التعريف الحدي يشمل الظاهر منك وهو بدنك ، لأنك معرف بالحيوان الناطق والحيوان ليس إلا بدنك ، إذ هو جسم نام حساس متحرك بالإرادة ، والباطن أيضا هو روحك ونفسك المعبر عنها بالناطق . ولا يسمى ذلك البدن إنسانا بالحقيقة ، إلا عند كونه حياذا روح ونفس . وأما عند كونه ميتا فلا يسمى إنسانا إلا بالمجاز ، باعتبار ما كان ، إذ لا يصدق عليه أنه حيوان ناطق . فلا فرق بين الصورة الإنسانية حينئذ ، وبين صورة من خشب في الجمادية . والغرض ، أن الإنسان إنما هو إنسان بالروح ، وروحه في الحقيقة هو الحق ، لأنه روح الأرواح كلها ، فلو نفرض مفارقة الحق منه ، لا يبقى الإنسان إنسانا ، ولذلك عقبه بقوله : ( وصور العالم لا يمكن زوال الحق عنها أصلا ) لأنه بلا حق عدم محض ، فكيف يمكن لها البقاء مع زوال الحق عنها . ولا ينبغي أن يتوهم منه أنه قائل بقدم الدنيا من أن الحق قديم فتكون صورته قديمة ، لأن مراده عدم انفكاك الحق عن صور العالم إذا كانت موجودة . والصورة الدنياوية مبدلة بالصورة الأخراوية ، وهي الصورة الباقية للعالم أبدا ، كما كانت في العلم أزلا .